الأستاذة رحمة بن نبي : الشباب الجزائري كان ومازال وسيبقى الأمل..

الأستاذة رحمة بن نبي : الشباب الجزائري كان ومازال وسيبقى الأمل..

العالم يرانا “بلد الأبطال” وهذا ما يبرهن عنه شبابنا الواعي

في العام 1989 ، أي بعد 40 سنة عن إصدار كتاب “شروط النهضة” لمالك بن نبي رحمه الله  ، أصدر المحاضر العالمي الشهير ستيفن كوفي كتابه “العادات السبع للأشخاص الأكثر فعالية” ، وكانت العادة الأولى التي يطرحها هذا الكتاب الذي تُرجم إلى  38 لغة وبيعت منه 15 مليون نسخة ، هي “المبادرة” وتحمّل كل فرد لمسؤوليته الذاتية على كل ما يحصل في حياته بدلا من لوم “الآخر” ، وهي فكرة تتطابق كثيرا مع ماكان ينادي به بن نبي بخصوص التركيز على القابلية للاستعمار التي نكون “نحن” مسؤولين عنها بدلا من “الآخر”، وكذلك مبدأ أسبقية الواجب الذي نقوم به “نحن” على الحقّ الذي ننتظر الحصول عليه من “الآخر” ..

إذًا ، فكرة المبادرة والاعتماد على النفس وعدم لوم الآخر على مشاكلنا ، كانت بين أيدينا نظريا قبل سنوات ، لكن مع ذلك بقينا متأخرين كجزائريين وكمسلمين بشكل عام على الصعيد العملي التطبيقي لهذه الفكرة ، فكيف السبيل برأيكم إلى التخلّص مما تسمّونه “عقلية الضحية” ولوم الآخر كتطبيق عملي لأفكار بن نبي التي كانت سابقة لأفكار عالمية كثيرة من هذا القبيل ؟

بداية أشكر صحيفة البلاد، و أشكرك على إتاحة الفرصة لي للتحدث إلى شبابنا في الجزائر و هو  يبهرنا بما يرسمه من صور مؤثرة على أرض الواقع من خلال وعيه و حبه المتأصل لمعنى الوطن و قيمته ، وأهمية الحفاظ على وحدة القلوب ووحدة الهدف،إنه لا يخفى على القريب والبعيد، وبالأرقام الديموغرافية والإحصائية، أن الشباب الجزائري كان ومازال وسيبقى الأمل،  فهو الذي  يشكل، حقيقة، أهم قوة تغييرية فاعلة لصنع تاريخ أفضل يحمي الجميع، فلله الحمد ولجزائرنا التوفيق..

أولا لابد أن ندرك أن المواطن الجزائري قد وقع  فعلا ضحية ظلم و اعتداءات متتالية من الداخل و من الخارج ،  من قبل استعمار غاشم،   تلته حكومات  “وطنية” عمل في صفوفها بعض من حاول اختطاف ذلك الاستقلال الذي كتبه الجزائريون على صفحة التاريخ بدمهم الطاهر، فأراد هؤلاء أن يغدو  شبابنا و شعبنا  رهين وهم الاستقلال بدلا من أن يتمتع بإستقلال فعلي تحميه مؤسسات  كان لزاما عليها أن تسهر بدورها على مصالح المواطن الأساسية و على الحفاظ على  كرامته ، فتحولت مرحلة ما بعد الاستقلال لأكبر عائق أمام نهضة المجتمع ، بل أصبحت المحرك الأساس  لعملية التدهور و التراجع الصارخ الذي نشهده في الجزائر.

و للأسف و   كما نشهد  اليوم أيضا من خلال  الإعلام و  من خلال  وسائل التواصل الاجتماعي فهو لا يزال  ضحية من يحاول نسج  أكذوبة كبرى حوله تحجبه عن الحقيقة و توهمه  بأن ترشيح من هو غير قادر على تسيير أمور الدولة أمر طبيعي و من ضرورات المرحلة بل إنه أمر دستوري و شرعي ..

لكن هيهات هيهات ، فالجزائري فطن و لا تخفى عنه الحقيقة البديهية  وهو  صاحب شجاعة  و لن يرضخ لمثل هذه المحاولات السخيفة، و أذكر أنني حين سافرت في السبعينات من القرن الماضي و أنا لا أزال طفلة  كنت أشعر بالعزّة كل ما سأل أحد والدي عن بلدنا الأم فنجيب قائلين “من الجزائر” ، فكان يأتي التعليق متكررا في معظمه:”ماشاء الله بلد الأبطال” ، هكذا كان يرانا العالم، الشعب الذي صنع شبه المستحيل وهكذا سنبقى ، وهذا ما يبرهن عنه شبابنا الواعي دوما.

و لكن و أعود هنا للسؤال الذي طرحته فأقول و إن كنا أقررنا بأننا وقعنا فعليا ضحية كما ذكرت آنفا ، فإننا نجد اليوم أنفسنا أمام خيارين: إما أن نندب سوء حظنا من المكان ومن الزمان ، أي أن نتمثل “عقلية الضحية” المغلوبة على واقع ليس بإمكانها التأثير فيه وبل وتغييره فنقع في ذهنية القابلية للاستعمار التي أصر والدي مالك بن نبي على التحذير من خلال كتاباته وحراكه من خطورتها على الأوضاع النفسية-الاجتماعية والتي تنعكس حتما في “ثقافة الاستسلام” إن لم نقل ثقافة “التدمير الذاتي” ، وإما أن ننهج نبذ “عقلية الضحية” فيبقى ظننا بأنفسنا بأننا لا نزال قادرين على تحقيق على أرض الواقع ما قد يبدو مستحيلا أمام عمق الأزمة التي نجتازها اليوم كجزائريين في جميع أبعادها وبكل آلامها.

ويتعيّن علينا بذلك أن ندرك أن قوتنا تكمن في داخلنا ، وبأننا إن اقتحمنا العقبة وأخذنا على عاتقنا مسؤولية النهضة كل منا في المساحة التي أقامه الله فيها ، فسيحول بذلك كل فرد منا إلى ركيزة للنهضة التي نطمح إليها، بدلا من أن يكون بطريقة عفوية وعن حسن نية عائقا أمامها، نعم هناك عوامل لا نتحكم فيها ولها كفلها من المسؤولية في الأوضاع التي نعاني منها ومن الأزمات التي تخنق شبابنا اليوم ..

الشباب الذي بات مستعدّا لأن يلقي بنفسه إلى التهلكة فيخاطر بحياته ، لأن كل ما يريده هو فرصة للشعور بالحياة الكريمة وللمساهمة في مشروع مجتمع تضفي على حياته معنى ، فحقيقة لا معنى لحياة بدون معنى تكرّس شعور الاغتراب داخل الوطن ، لكن لا بدّ من أن نعي تماما أنه من التناقضات الفكرية أن نطالب أو نحلم بأن يغيّر المعتدي أو الظالم أيا كان من أهدافه ومن منظومته القيمية أو بالأحرى “اللاقيمية” التي يعتمدها لتبرير ما يقوم به من أعمال ، علينا نحن أن نعمل على أنفسنا وعلى تغيير ذهنيتنا ، أعلم أن هذا كلام ثقيل على النفس يبدو على غير حقيقته وكأنه جلد للضحية ذاتها لكن الواقع هكذا.

لا بد من أن نضع قرار الفعل المؤثر في أيدينا نحن إن كنا نريد عملا فعالا، ولا بد أن ننشر فيما بيننا مفهوم الكرامة الملازمة للإنسان و التي منحه إياها الله عز و تعالى له، مهما شكك فيها المغرضون أو الجهلة، هذا ما أقوله باختصار للجواب عن هذا السؤال الحرج.

فكرة أسبقية الواجب على الحقّ هي فكرة مفتاحية في أدبيات مالك بن نبي رحمه الله ، وقد اقتبست في رسائل رئيس الجمهورية في عدّة مناسبات ، من بينها رسالته إلى العمال بمناسبة ذكرى تأميم المحروقات في 24 فيفري 2018 التي دعا فيها العمال حرفيا إلى أن “يسهروا على أن يقترن دفاعهم المشروع واليقظ عن حقوقهم بحصرهم الفعال والمتواصل على أداء واجباتهم”، وكذلك رسالته بمناسبة اليوم العالمي للمرأة في 08 مارس 2018 أين دعا المرأة الجزائرية بصريح العبارة أيضا إلى “ضرورة التكفّل بالواجبات التي تقع على عاتقها تجاه الأسرة والوطن وعدم الاكتفاء بجعل اليوم لمجرد النضال والمطالبة”..

ماهو انطباعكم بخصوص هذه الاقتباسات الرئاسية لفكرة الواجب التي عاش عليها  بن نبي ؟ وكيف تقيّمون بالمناسبة درجة اهتداء رجال السياسة في الجزائر وفي العالم الإسلامي عموما بفكر بن نبي ؟

هذا السؤال الذي تفضلتم به حول مفهوم الواجب في إرتباطه بالحقوق ،يمس موضوعا هامّا لابد أن يتحدد في ذهنية أي مجتمع تراوده فكرة النهضة، و قد ذكرتم أن المؤسسة السياسية الرسمية في الجزائر باتت تنادي بهذا الخطاب مؤخرا ونحن لا نملك إلا أن نرحب بمثل هذه الطروحات السياسية و التي نحسبها تعبر عن مواقف فكرية صحيحة، علي شرط أن تكون هذه الجهات الرسمية على بيّنة بأن ما تطالب به الشعب هو ذاته ما يجب أن تطالب به نفسها، أي أن عليها أن تطالب نفسها أيضا بواجبها تجاه الشعب الذي ائتمنها ضمنيا على مصيره، و إلا تحول هذا النداء إلى مجرد شعار خاو من أي مضمون أو إرادة حقيقية للتغيير، فليس من الممكن التخفيف من خناق الأزمات التي تواجهنا في الجزائر اليوم  ما لم نتصدى لها قيادة و شعبا، و ما لم  نخض سوية معترك الواجبات من أجل تحصين مستقبل أفضل، و هذا الأمر يتطلب منا كضرورة حتمية تكييف ثقافة مشتركة فيما بيننا، تأخد بعين الإعتبارالعلاقة التبادلية بين الحقوق و الواجبات على جميع مستويات  المجتمع ،  فلا تقتصر على  أفراد الشعب فحسب أو على أصحاب القرار، بل تشمل الجميع دون إستثناء.

فإن أنا كفرد في المجتمع، أيا ما كان موقعي، أديت واجبي فسيترتب عن ذلك حتما أن يصل حق فرد آخر مرتبط به، فإن قلنا على سبيل المثال أن موظفا في شركة ما قام بواجبه فإن يكون بذلك قد منح مواطنا آخر حقّه وهكذا ، هذه هي الثقافة التي ستوفر في نهاية المطاف إطارا لا غنى عنه للانسجام في مجتمعنا بما يؤهله للنهوض، فإن فشلت أو تنكرت الهيئات الرسمية في تقديرها للواجبات التي تقع على عاتقها تجاه شعبها وهي تطالبه بأداء الواجب فإنها بذلك وبالتأكيد ستسبب استياء خطيرا وتجهض مشروع النهضة الذي لا يمكن أن يكون إلا في إطار القيام بالواجب من الطرفين..

قد يبدو ما أقوله هنا بديهيا ولكن علينا أن نذكر به حتى لا نقع في “البوليتيك” التي عرّفها مالك بن نبي على أنها مجموعة تحركات وأصوات صاخبة يقوم بها من يفترض أن يكونوا سياسيين بهدف استخدام الشعب بدلا من خدمته، فمن المعلوم أن رجل السياسة يكون في خدمة الشعب حين يقوم بالواجب المنوط به ويؤسس لما يوفر للمواطن الضمانات الاجتماعية الأساسية في الداخل من تعليم يهيئ له فرص العمل ، ومن إسكان ورعاية صحية لا تجعله يحلم بالفيزا من أجل العلاج في الخارج.

كما أنه يكون في خدمة المواطن حين يؤسس أيضا لعلاقات دبلوماسية ولسياسة خارجية تضمن للمواطن كرامته وتحميها خارج حدود الوطن ، فلا سبيل لمباشرة عملية النهضة دون تكليف كل فرد ، حكومة و شعبا، و جعله محاسبا أمام المجتمع، و هنا ألمح فقط لأهمية الحفاظ على الأعراف السياسية و الاجتماعية التي توازن بين توقعات الفرد و توقعات المجتمع منه، و هذا موضوع يطول..

فبمثل هذه الذهنية التي تؤمن بالواجب الذي يولد طبيعيا الحق يمكن زرع الأمل من جديد  في نفوس شبابنا، فعلى الرغم من حقيقة و جدية مشاكلنا نحن بحاجة إلى تعزيز الشعور بالأمل بإمكانية التغلب عليها و بإمكانية إعادة بناء مجتمع جزائري قوي بشبكة علاقات اجتماعية متينة مبنية على مبدأ الواجب الذي نتحدث عنه وعلى إحساس بالهوية الجزائرية التي و لحسن الحظ  لا تزال راسخة في وعي و ضمير كل جزائري.

أما عن عملية التقييم فأتركها للمواطن ، وأنا على ثقة بأن شبابنا أوعى من أن يتخذ ذلك ذريعة للتهرب من محاسبة نفسه أيضا.

بالحديث عن رجال السياسة ، انتقد بن نبي رحمه الله كثيرا دعوة الرئيس التونسي الراحل لحبيب بورقيبة سنوات الستينات إلى منع صيام رمضان بدعوى أن الصيام عائق أمام الإنتاجية والتقدّم الاقتصادي للبلاد ، وأوضح في كتابه “ميلاد مجتمع” أن الفكرة الدينية هي حجر الأساس في بناء المجتمعات ، وأنه لا يمكن فصل التقدّم الاقتصادي والحضاري لأي مجتمع عن دين هذا المجتمع..

في ظلّ استمرار محاولات الفصل بين الدين وبين الحضارة والاقتصاد والتعليم أيضا ، على غرار ما وقع في الجزائر مؤخرا من تصريحات رسمية تدافع عن منع الصلاة في المدارس ، فردية كانت أو جماعية ، ماذا كان بن نبي سيقول لو أنه شهد تصريح وزيرة للتربية تقول بأن المدرسة ليست للصلاة وإنما هي للتعليم والتعلّم فقط، فضلا عن إقرارها باتخاذ إجراءات عقابية ضد تلميذة أدّت الصلاة بشكل فردي في مدرسة جزائرية بباريس؟

يذكر مالك بن نبي في مذكراته أن الرئيس الراحل أحمد بن بلة رحمة الله عليه، استشهد في إحدى لقاءاته معه بألكسيس كاريل الذي قال إن “الشخصية السياسية ملزمة بإحاطة نفسها بمثقفين ورجال دين”، لكن بداية أقول بإنني إحتراما لذاكرة مالك بن نبي لن أتحدث باسمه وإنما آمل أن يكون تعليقي عن هذه الحادثة المؤسفة التي تناقلها الإعلام منذ أيام مستوحى من داخل المشروع الحضاري الذي وضع أسسه مالك بن نبي و الذي يولي فيه للفكرة الدينية دورا أساسا لا غنى عنه.

و بالرغم من ذلك وبالرغم من كوني كغيري من المواطنين الجزائريين غيورة على هويتنا الإسلامية و قلقة من أن تكون مثل هذه الطروحات التي تجرأت عليها السيدة الوزيرة خطوة نحو .. الله أعلم ماذا،  فإنني لن أتناول مسألة الصلاة في المدارس من خلال قناعاتي الإيمانية علما بأنني على يقين بأن ملايين الجزائريين يشاطرونني الرأي بأن الصلاة تقع في مركز محوري من حياتنا  كمسلمين فالصلاة عماد الدين ..

كما أنني لن أتناول المسألة وفقا لمنظومتي القيمية بالرغم من قناعتي بأن الأزمات الأخلاقية والقيمية التي نشهدها جميعًا في الجزائر قد  تترسخ ما لم نواجهها بحلول واقعية قابلة للتطبيق و من داخل منظومتنا القيمية ،  فبغض النظر عن هذه المعطيات الأساسية فإنني سأحاول أن أتناول هذه القضية من منظور تعليمي محض نأمل أن يساهم في إدراك السلطات المعنية لأهمية هذا الأمر:

وفقا لموسوعة بريتانيكا ، فإن التعليم بمعناه الشمولي هو “أي عمل أو خبرة لها تأثير تأهيلي على العقل أو على الشخصية أوعلى القدرة البدنية للفرد، والتعليم من الناحية  الفنية التطبيقية هو الطريقة التي ينقل بواسطتها المجتمع من جيل إلى آخر خبرته المتراكمة ومعرفته ومهاراته بالإضافة إلى قيمه و ذلك من خلال المؤسسات”، فلا بد إذن من أن يكون للمنظومة التعليمية في الجزائر هدف واضح هو تربية جيل قادر على تأمين الاستمرارية التاريخية لمجتمعنا ، أي جيل يمتلك من المهارات والقيم التي تؤهله لمباشرة دور في عملية النهضة التي لا بديل عنها إن كنا نطمح إلى الخروج من الورطة التي نجد فيها أنفسنا بعد قرابة 60 عاما من الاستقلال ..

وهذه النهضة لا يمكن أن تتحقق ما لم يتم تأسيس ثقافة حضارية بطريقة منهجية وبتوجيه من دستورنا الأخلاقي ، فلا بدّ أن تكون الغاية من التعليم واضحة لدينا ، فيصبح السؤال الذي يفرض نفسه إذن :” مثل هذه القوانين التي تتحدى إرادة الشعب، والتي لا يمكن أن تكون إلا  خارج إطارالنظام الديمقراطي  الذي نؤمن به نحن الجزائريون ، هل تصب في تحقيق أهداف منظومتنا التعليمية و تأسيس ثقافة الحضارة؟”..

و أظن أن الجواب واضح، فحين يستثنى المواطن الجزائري من عملية صنع القرار و خاصة حين  يقيّد القرار الحريات الشخصية الشرعية الدستورية ، فإن ذلك لا يولد لديه إلا الشعور بالتهميش وبالتالي إلى انعدام الثقة فيما بين المؤسسات الرسمية و المواطن، وفي الواقع فإن هدم عامل الثقة المشتركة يعرقل كل إمكانيات النهضة، حتى في بعدها الاقتصادي ، وبدون اقتصاد قوي، فإن المجتمع ككل معرض للفشل.

بعبارة أخرى ، فإن فكرة منع الصلاة في المدارس ، و كلي أمل أن لا يقنن هذا الأمر المجحف في حق الشعب الجزائري المسلم،  تدل على عدم الإلمام بالأبعاد الحقيقية لمنظومة التعليم في تحقيق الاستقرار السياسي والاقتصادي الكلي ، وهي بذلك تنعكس سلبا على أهداف المنظومة التعليمية في حد ذاتها ،و ثقافة الحضارة التي من المفترض أن تؤسس لها، أضف إلى ذلك أن الدراسات الحديثة كتلك التي قامت بها الباحثة في جامعة هارفارد “سارة لازار” التي تدرس كيفية تأثير اليوغا والتأمل على الوظيفة الإدراكية ، و التي أجرت دراسة على أدمغة أشخاص لم يمارسوا التأمل من قبل، فأخدت صور رنين مغناطيسي لأدمغتهم ، ثم عادت و أخدت صورا جديدة لأدمغتهم بعد مشاركتهم في برنامج للتأمل لمدة 8 أسابيع، فلاحظت الباحثة تغيرات في مناطق مختلفة من الدماغ ، منها مناطق متعلقة بالتعلم والذاكرة وتنظيم (تهذيب) العاطفة وكذلك في مناطق التعاطف.

فالعديد من الأبحاث، و ليس هذا البحث قصرا، تبين أن مثل هذه الممارسات في التأمل تنمي من إمكانات الذاكرة و من مهارات القراءة والرياضيات، بالإضافة إلى أنها تزود الفرد بما هو بأمس الحاجة إليه للتعامل مع ما تفرزه التكنولوجيا الحديثة التي أدمن عليها العديد من أطفالنا و شبابنا ، من اضطربات عقلية و توترات نفسية و عاطفية حتى  يتمكنوا من مباشرة عملية التعلم بمزيد من الإيجابية، فقد أصبح من المؤكد علميا..

و من خلال الدراسات كما ذكرت ، أن الطلاب اليوم يعانون من  قلق قد تتفاوت حدّته ولكنه أصبح و بشكل عام يمثل عائقا خطيرًا للمدرسين والإداريين بتأثيره المباشر على بيئة التعلم، وهو ما دفع بعض المدارس في الولايات المتحدة إلى أن تضيف إلى برامجها جلسة للتأمل في الصباح للتخفيف من الضغوط التي يشكو منها الطلاب -و إن كانوا لا يدكون ذلك- وللدفع بمهاراتهم المعرفية إلى مستوى أفضل..

و كأي من البرامج ، فإن إدراج هذا البرنامج لابد  له من رصد ميزانية مالية خاصة حتى يتم تدريب المعلمين أنفسهم في التأمل قبل أن يتولوا مسؤولية الطلاب، لذا، نطرح هذا السؤال: “إن كان طلابنا على استعداد للقيام بالصلاة التي تغنينا عن كل هذه الأمور و توفر لنا في نهاية المطاف طلابًا أكثر إستقرارا إيمانيا وعقليا و  نفسيا و أكثر قدرة على المنافسة عالميا دون أن يضطر نظامنا التعليمي إلى تحمل أي تكلفة، إذَا لما نضيق من فرصهم و لا نسمح لهم بذلك؟”، و أذكر هنا ما قاله الشيخ محمد الغزالي في إحدى كتاباته -بتصرف-، أنه لو قيل لنا من خارج منظومتنا الإيمانية ان غسل الرجلين 5 مرات في اليوم مفيد لفعلنا إقتداء بذلك و لو كنا من قبل نرفض الوضوء.

إنني أستحي و أنا أتحدث عن الصلاة خارج نطاق المفهوم التعبدي في بلد مسلم، و بهذا المنطق المادي البحت و لكن عسى و لعل أن تكون هناك قريبا مذكرة مثل تلك التي أصدرها بيل كلينتون في العام 1995 والتي قال فيها :”ليس هناك في البند الأول من دستورنا ما يحوّل مدارسنا العمومية إلى مساحات خالية من الدين ، أو يتطلب ترك كلّ تعبير ديني خارج حدود المدرسة  ، فبإمكان الطلاب أن يُصَلّوا لمن يشاؤون وفي أي وقت من اليوم الدراسي”.

إن فكرة منع الصلاة في المدارس تعرّض مستقبل الجزائر إلى الخطر، ففقدان الثقة في النظام التعليمي يضع عقبة أمام المواطن و مستقبل مجتمعنا المدني ككل، علينا أن نعزز لدى الطلاب الشعور بالحرية و خاصة حرية المعتقد ، و منعهم من القيام بالصلاة بمفردهم أو في مجموعات خلال اليوم الدراسي ما داموا لا يتعدون على حرية غيرهم من الطلاب فيجبرونهم على المشاركة في الصلاة ، ما هو إلا عكس ذلك، و العاقبة للمتقّين.

شاركتم مؤخرا في مؤتمر دولي نظمته جامعة حمد بن خليفة في قطر بمناسبة الذكرى الـ70 لصدور كتاب “شروط النهضة” ، بحضور مفكرين وساسة ووجوه أكاديمية وإعلامية..

ماهو انطباعكم عن أجواء المؤتمر ؟ وهل يمكن أن نتفاءل بدور ما لمثل هذه المؤتمرات في نهضة قريبة لحضارة المسلمين ؟ 

لقد شاركت مؤخرا وكما ذكرتم، و بفضل من الله في المؤتمر الدولي الذي عقد في دولة قطر تحت رعاية جامعة حمد بن خليفة والذي أقيم بهدف تناول أسئلة النهضة في سياق الظروف الراهنة، أي 70 عاما من  بعد صدور شروط النهضة لكاتبه  الجزائري مالك بن نبي ..

و بعيدا عن عملية تقييم الطروحات الفكرية التي عرضت خلال الأيام الثلاثة للمؤتمر، فإن هذا الموتمر أنجز في اعتقادي العديد من المعالم المهمة في رحابه و ضمن أجواءه، فقد جعلنا نستشعر قوة الرصيد الإيماني الكامن في قلب و عقل الفرد المسلم، فالذي جمع المشاركين الذين حضروا من بلاد إسلامية عدّة ما هو سوى إرادتهم و تطلعاتهم المشتركة لقيام مشروع مصيري يصب في نهضة الأمة الإسلامية في رؤيتها الإنسانية النابعة عن إيمانهم،  تحقيقا لقول الله عز وجل:”كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ۗ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم ۚ مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ”.

هكذا تجاوز هذا المؤتمر التناقضات التي نعيشها ما بين إتجاه يفرضه الواقع نحو العولمة، وانقسامات  نشهدها حتى داخل حدود الوطن الواحد، فلابد برأيي من المزيد من هذه المبادرات حتى تترسخ ثقافة الاحتواء التي تكرس الإرادة المشتركة و تتغلب على ثقافة التجزئة ، و هذا ما  أدلت به توصيات المؤتمر حين أدرجت خطة لتنظيم مؤتمر دولي كل سنتين.

ونحن كجزائريين نأمل أن تنضم الجزائر إلى قائمة  الدول التي ترشحت لاستضافة و احتضان مثل هذه الندوات الفكرية المهمة ، خاصة و أن شبابنا الجزائري الواعي أصبح ينادي بالحضارة وبحقه الشرعي في أن يسلك نهج التحضّر ، بعيدا عن الخطاب الشعبوي الذي يفرض عليه في كثير من الأحيان ، والذي يضع أمامه عراقيل نفسية معنوية وعراقيل مادية بغرض منعه من مباشرة عملية النهضة من أجل بناء مجتمعه ومستقبله ، وقد حضر المؤتمر عدد من مواطنينا الجزائريين المتواجدين في قطر لمحض اهتمامهم بكل ما يعزّز من ثقافة النهضة التي أصبحت جزء لا يتجزأ من تطلعات مجتمعنا الجزائري.

كما  قدم هذا المؤتمر، الذي ضم أكادميين بتخصصات مختلفة وأصحاب خبرة و تجربة سياسية ،مثل السيد راشد الغنوشي من تونس، و السيد أنور إبراهيم من ماليزيا ، و السيد داوود أوغلو من تركيا،  بهدف تحديد أسئلة النهضة بشكل موضوعي و برؤية  شمولية، قدّم نموذجا يبيّن ضرورة وإمكانية التضامن بين كل فئات المجتمع لتأسيس مجتمع المعرفة ، لا سيما أنه لم يعد من الممكن مواجهة التطورات المحتملة والتحديات الاجتماعية الملحّة من داخل تخصص بعينه أو على مستوى فئة معيّنة أو على مستوى محلي في عالم يتجه نحو العولمة ..

فقد بين نجاح هذا الموتمر أن مجتمعاتنا الإسلامية التي تفتقر في معظمها إلى ثقافة التضامن ما بين السياسيين و الأكاديميين و عامة الشعب،  بحيث أن الكل يفكر و يتحرك على حدى ضمن جزيرته الخاصة ، لا تزال تحمل في ضميرها و في منظومتها القيمية ما يهيئ للعمل المشترك.

هذه كما ذكرت بعض إنجازات المؤتمر التي تعزز فينا روح التفاؤل و نحن ندرك تمام الإدراك أن مثل هذه التطلعات لمشروع نهضة سيحتم علينا حكومات و شعوبا  التغيير من منظومتنا الثقافية بشكل عام ، و توجيه أفكارنا وتفعيل إمكاناتنا المتاحة حتى تتم مواءمة أهدافنا مع واقعنا ، بالإضافة إلى أنها ستتطلب منا العديد من التضحيات، ولا أظن أن هذا ببعيد عن وعينا.

شاركنا رأيك

شاهد ايضا