الكرة في مرمى السلطة..

الكرة في مرمى السلطة..

سيناريوهات عديدة لحل الأزمة وتجنّب التصعيد أفرزت مظاهرات الحراك الشعبي بعد أربع أسابيع من المسيرات الحاشدة عبر ولايات الوطن صورة جليّة عن المشهد الوطني قبيل انقضاء العهدة الحالية لرئيس الجمهورية،فبين شارع يغلي بالحشود الضخمة الرافضة للنظام الحالي ومعارضة تكثف لقاءاتها لمجاراة الهبة الشعبية وسلطة مرتبكة أظهرت قدرة عالية على التكيف مع الأحداث واستعدادا لتقديم تنازلات تلوح في الأفق عدّة سيناريوهات لمستقبل الأزمة السياسية في البلاد. ولعل أبرز سؤال يتبادر حاليا إلى الأذهان هوماذا بعد الحراك الشعبي؟ وكيفية نقل نبض الشارع من الميادين والساحات إلى طاولات التفاوض لإدارة المرحلة الانتقالية للبلاد وماهي “النسخة المعدلة” التي يرتقب أن تخرجها السلطة لتهدئة الوضع الملتهب وهل سيستمر الرئيس في الحكم بعد انقضاء عهدته دستوريا في 28 أفريل؟ فبعد المسيرات المليونية الأكبر منذ انطلاق الحراك الشعبي في 22 فيفري الماضي واستمرار رفع الشعارات الموحدة الرافضة للتمديد، يترقب الجزائريون ردّة فعل السلطة وقرارات الرئاسة، التي يمكن أن تلعب على ورقة جديدة لامتصاص غضب الشارع، والمتمثلة في الكشف عن التشكيلة الجديدة للحكومة. وأعلن الوزير الأول الجديد نور الدين بدوي، الخميس الماضي، في أول خرجة إعلامية له، أنه شرع في مشاورات من أجل تشكيل حكومة تكنوقراطية تمثل مختلف الطاقات، خصوصًا من الشباب، على أن تليها خطوة التحضير للندوة الوطنية الجامعة التي أعلن عنها الرئيس بوتفليقة في رسالته الأخيرة يوم 11 مارس. لكن تصريح الوزير الأول لم يقنع المتظاهرين، بدليل خروج الملايين منهم إلى الشارع في الـ15 من مارس إلى الشوارع فيما سمي بـ«جمعة الرحيل” حيث تركّزت الشعارات على رفض كل الوجوه الحالية التي تمثل السلطة والدعوة إلى فتح المجال أمام الوجوه الشابة. ومع استمرار حالة الترقب التي تطبع المشهد السياسي في البلاد، لا يستبعد مراقبون أن توجه رئاسة الجمهورية رسالة إلى الشعب يوم الثلاثاء المقبل، عشية الاحتفال بعيد النصر المصادف لـ 19 مارس، وهو ما جرت عليه العادة. لكن في حال تم توجيه رسالة فماذا سيكون محتواها؟ وكيف ستعلن السلطة تعاملها من حراك شعبي يطالب برحيلها؟ وفي هذا الصدد أكد المحلل السياسي والخبير في شؤون الانتقال الديمقراطي،جلال مناد،في لقاء مع “البلاد” “أنه يتوقع” رحيل بدوي الذي كان بمثابة بالون اختبار وثبت بالدليل القاطع أنه ليس رجل المرحلة لعدة اعتبارات لعل أبرزها إخفاقه في خرجته الإعلامية الأخيرة زيادة على الرفض السياسي الذي قوبل به من طرف الطبقة السياسية خاصة في أوساط المعارضة وكذا من طرف الجبهة الاجتماعية بالنظر لرصيده القمعي في ملاحقة النقابيين”. كما توقع مناد “انسحاب الدبلوماسي الأممي السابق الأخضر الإبراهيمي من واجهة الأحداث الوطنية بعد اصطدامه بموجة رفض منقطعة النظير وصلت إلى حد التشكيك في استقلاليته ومصداقيته وإمكانية استبداله بشخصية تحظى بالقبول الشعبي” وتابع المتحدث أن “ اختيار هذين الرجلين لم يكن رسالة طمأنة من السلطة إلى الشارع بقدر ما كانت رسالة الاختيار موجهة إلى الخارج خاصة أن الشارع الآن هوالرقم الفاعل في المعادلة وهويرفض أصلا تدخل الخارج”. وعن احتمال تدخل الجيش على خط الأزمة شدد الأكاديمي أن “الجيش ينأى بنفسه ويرفض أن يتحمل نتائج فشل السياسات الحكومية ولعل هذا أبرز درس يكون قد حفظه من دوره خلال العشرية السوداء”. وأوضح جلال مناد أن “المؤسسة العسكرية الآن مدركة تمام الإدراك أن الأخطار اللاتماثلية في تزايد مستمر وبالتالي فانشغالها بإدارة المشهد السياسي في المرحلة الانتقالية سيقوض جهود وحدات الجيش والقوات المسلحة في التصدي للتهديدات الأمنية وحماية الأمن القومي”. غليان في الشارع وارتباك في السلطة وتشتت في المعارضة ويلوح في الأفق أيضا حسب مراقبين احتمال تفاعل إيجابي من الرئيس بوتفليقة مع المطالب الرافضة للتمديد وإعلان خروج بوتفليقة من المشهد السياسي وترك الأمور تسير في طريقها نحوالحوار والتفاهم بين القوى السياسية من أجل إعادة ترتيب المشهد السياسي من جديد، وهوخيار غير مستبعد واقعيا، رغم صعوبة إعلانه في الظرف الحالي. وفي ظل تواصل الاحتجاجات، يدور نقاش واسع على منصات التواصل الاجتماعي حول فكرة اختيار ممثلين عن الحراك الشعبي للتفاوض مع السلطة، بينما يرفض آخرون هذه الفكرة ويفضلون ترك الحراك عفويا بلا قيادات خلال هذه المرحلة. ونشر مدونون على منصات التواصل قوائم شخصيات وزكّوها لتمثيل الحراك الشعبي. وتفاعل الناشطون مع الطريقة التي يتم من خلالها اختيار هذه الشخصيات لتمثيل ملايين المحتجين بكل فئاتهم ومشاربهم وتوجُّهاتهم وانتماءاتهم السياسية. ومن أبرز الشخصيات التي اختارها بعض المشاركين في الحراك الشعبي المحامي والنائب السابق بالبرلمان مصطفى بوشاشي الذي تداول البعض منهم صورته على صفحاتهم الخاصة في فيسبوك، وفوّضوه ناطقا رسميا باسم الحراك، بينما اعتذر المحامي على تفويضه.وقال بوشاشي على صفحته على “الفايسبوك” أن “تعيين ممثلين عن الحراك الشعبي سابق لأوانه، وأرفض إطلاقا محاورة السلطة، لأن ما تقوم به غير دستوري، وهي تحاول اختراق الحراك”. وأوضح أن “رسالة المحتجين واضحة، ويجب مواصلة الاحتجاج السلمي والراقي حتى تتحقق مطالبهم”. إلى ذلك كشف المحلل السياسي والإعلامي عبد العالي رزاقي عن “لقاءات سريه بفندق الأوراسي، يديرها الأخضر الإبراهيمي مع شباب من مختلف الولايات، اليوم الجمعة، لتحديد خارطة طريق عملهم داخل الحراك” غير أن الإبراهيمي لم ينف ولم يؤكد هذه المعلومات. وفي كفة المعارضة لا يزال التباين واضحا بين السيناريوهات التي ترسمها والمقترحات التي تقدمها فهذا سفيان جيلالي رئيس حزب “جيل جديد” يدعو تشكيل “حكومة بوجوه جديدة محايدة لا يطغى عليها الطابع الحزبي لتسيير شؤون البلاد لمدة تتراوح ما بين 6 إلى 12 شهرا”.ويطرح جيلالي إمكانية تعليق الدستور الجزائري الحالي وحل الغرفتين (المجلس الشعبي ومجلس الأمة) والمجلس الدستوري، فضلا عن تعيين رئيس مؤقت للبلاد بشكل توافقي من قبل أعضاء مجلس وطني توافقي. وأضاف في اقتراحاته أنه لن يكون بإمكان رئيس البلاد المؤقت وأعضاء الحكومة الانتقالية المشاركة في الانتخابات الرئاسية، فعليهم فقط تنظيمها في غضون سنة. نفس الخطة تقريبا اقترحها علي بن فليس زعيم حزب “طلائع الحريات” الذي دعا مرارا إلى حوار “بناء” بين النظام الجزائري والمعارضة ويشمل أيضا شخصيات وطنية بمشاركة القوى الحية للبلاد على غرار النقابات والمجتمع المدني “بغية التوصل إلى حل توافقي يجنب الجزائر أزمة سياسية وأمنية عميقة”. من جهته طالب حزب “التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية” باستقالة الرئيس بوتفليقة وحكومة أحمد أويحيى فضلا عن حل البرلمان لتمهيد الطريق للمرحلة الانتقالية القادمة التي تهدف حسب الحزب إلى خلق مناخ سياسي مواتي يسمح بإعطاء الخيار للشعب وتنصيب مؤسسات تناسبه”.وأكد سعيد سعدي، الرئيس السابق لحزب “التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية” “على ضرورة الذهاب إلى مرحلة انتقالية يمكن أن تشرف عليها شخصيات وطنية أو لجنة حكماء. كما دعا إلى تعيين عدد من الشخصيات “التي حافظت على أدنى حد من المصداقية لتمثيل الأمة خلال المرحلة الانتقالية”. من جانبها، اقترحت لويزة حنون، الأمينة العامة لحزب العمال والتي رفضت المشاركة في الانتخابات الرئاسية العمل على “ إنشاء جمعية تأسيسية لإعادة بناء مؤسسات الدولة”.

شاركنا رأيك

شاهد ايضا