هذه ساعة كالساعات، وليست كالساعات.
ساعة كالساعات من حيث مكوّناتها، بل هي أبسط ساعة رأيتها في حياتي التي بلغت العشرين أربع مرات كما يقول الأستاذ أحمد توفيق المدني.. هي ساعة تعدّ الثواني والدقائق كأيّ ساعةٍ في العالم، لا فرق بينها وبين أغلى الساعات المرصَّعة بأغلى المواد المعدنية التي لا يقتنيها إلا إخوانُ الشياطين من المبذّرات والمبذّرين.
ولكنها ساعة ليست كالساعات من حيث صاحبها الذي ازدادتْ شرفا ومجدا بملامسة يد هذا الرجل الذي هو أيضا ليس كأحدٍ من الرجال.
إنها ساعة المجاهد الشهيد عميروش، قائد الولاية الثالثة في أثناء جهادنا البطولي المجيد ضدّ أكثر الناس توحّشا وعنصرية وصليبية وهم الفرنسيون.
هذه الساعةُ لا توجد عند ورثة هذا المجاهد الشهيد، ولا توجد عند المجرمين الفرنسيين قتلة هذا الشهيد، ولا توجد في أيّ متحف من المتاحف؛ لا في متحف المجاهد، ولا في متحف الجيش الوطني الشعبي، سليل المجاهدين في جيش التحرير الوطني، ولا في أيّ متحف من متاحف المجرمين الفرنسيين.
إنما توجد في أحد أحياء مدينة الجزائر المجاهدة، إنه حيّ ابن عمر، في دار بسيطة ولكنها جليلة، لأنها تضمّ بين جدرانها كنزا من العلوم والمعارف، وتحتوي على آلاف الكتب والمجلات في شتى العلوم والفنون، وصاحبها شخصٌ بسيط شكلا وهنداما، ولكنه ممن حازوا المجد والشرف بعلمه وجهاده، فهو تاريخٌ يمشي على رجلين كأحدٍ من الناس، ولكن عقله يحتوي على موسوعة في الدين والأدب والتاريخ.. إنّه الأستاذ الكبير ذو الجهادين بالقلم واللسان وبالسِّنان محمد الصالح الصديق الذي تجاوز القرن، مدّ اللهُ في عمره، ومتّعه بالصحّتين العقلية والبدنية، وهو إن شاء اللهُ من المشمولين بحديث إمام الرسل محمد صلى الله عليه وسلّم القائل: “خيركُم من طال عمرُه وحسُن عملُه”.
إنّ هذه الساعة توجد في خزانةٍ صغيرة، بابها زجاجيٌّ يُظهر محتوياتها، وما تشرّفنا يوما بزيارة أستاذنا إلا قدّم لنا هذه الساعة الأغلى معنى، الزهيدة مبنى.
أمّا كيف انتقلت من المجاهد الشهيد عميروش إلى المجاهد محمد الصالح الصديق، ففي آخر لقاءٍ بين المجاهدين أحسّ المجاهد عميروش أنّ لقاءه هذا بصديقه قد يكون آخرَ لقاءٍ بينهما، فنزع ساعتَه البسيطة من يده وسلّمها لصديقه وهو يقول: “أهدي لك هذه الساعة لتعُدَّ بها الساعات الزمنية التي بقيت لفرنسا المجرمة في الجزائر”.. وتقبّل المجاهدُ ساعة أخيه المجاهد، وهي عنده أغلى وأثمن من كلّ غال وثمين.
رحم اللهُ شهداءَنا الأبرار وأمدّ في أعمار مجاهدينا الأخيار.



























