طقوس مثيرة في “ينار” والمرأة عماد الاحتفال في الأوراس

طقوس مثيرة في “ينار” والمرأة عماد الاحتفال في الأوراس

تحل رأس السنة الأمازيغية على وقع الاحتفالات المنظمة في مختلف ربوع الوطن، حيث لم تشذ قرى ومدن الأوراس عن القاعدة، وبقيت وفية لهذه المناسبة على مر السنين، بقيادة العنصر النسوي الذي يعد العقل المدبر في مثل هذه الطقوس والممارسات الميدانية، ناهيك عن برمجة أنشطة ثقافية وفلكلورية متنوعة، ومعارض للصور والألبسة التقليدية ومحاضرات للتعريف بالموروث التاريخي والثقافي للحضارة الأمازيغية على مستوى الوطن.

بدأت السنة الأمازيغية كسنة فلاحيه بالدرجة الأولى، حيث تمارس الطقوس الخاصة بالفلاحة في اليوم الأول، كقلب الحجارة من طرف النساء، وهو ما يوضح كمية الرطوبة في الجو، من خلال تكاثر الحشرات والعكس في حال الجفاف، حيث تكون الأرض خالية من كل شيء، إضافة إلى التبرك بالحشيش الذي يوضع على مداخل البيوت، ونثر القمح المطبوخ في البساتين كله يعتبر تقربا من الطبيعة لتكون أكثر خصوبة وعطاء وسخاء وكل هذا يصادف الثالث عشر جانفي. وتؤكد الباحثة خديجة ساعد ل”الشروق”: “إنه مهما كانت الوقائع التاريخية، فهناك شيء ثابت لا يمكن إنكاره، وهو التمسك والارتباط بهذا المكسب التاريخي الضارب في الجذور”، ليبقى هذا الاحتفال حسب قولها ضاربا في جذور الموروث الحضاريللأمازيغ عبر العصور..

تغيير أثافي الموقد وجلب الماء ووضع حشائش كرمز للخصوبة

تحظى رأس السنة الأمازيغية الجديدة (ينار) بترحاب واسع في المجتمع الأوراسي، وهذا من خلال طقوس موروثة، كانت تحتل مكانة مهمة من الناحية الاجتماعية، مصحوبة بممارسات ميدانية متوارثة، حيث أن النسوة يقمن بتغيير أثافي الموقد بأثافيَ جديدة، وبدفن رماد المواقد القديمة، أو يرمى بعيدا تيمنا بحلول بركة هذا العام الجديد، كما تملأ الأواني بالماء في ليلة رأس السنة الأمازيغية رمزا للخصوبة والنماء والحياة، ويتم تنظيف حرم البيت “هماسخث ن خام”، كما يتم تبييض البيت الحجري بمادة الجير، ووضع بعض الحشائش الخضراء على السقوف. وحسب الأستاذ عادل سلطاني، فإن هذا “التطقيس” يندرج ضمن مفهوم الخصوبة الواسع، ولا يعني إلا حياة الأرض الأم وحياة القطعان التي تعد ركيزة أساسية في معاش وحياة الأوراسي، حيث تقوم المرأة وهي عماد البيت الأوراسي بتحضير وجبة “إيشرشمن” الشهية، أو بتحضير طبق “آكسكسو” بلحم الديك، وأهل البادية من الشاوية يمارسون هذه العادة إلى اليوم، أي إسالة الدم، كما يتم إعداد الحلويات التقليدية المعروفة في أوراسنا الكبير وفي وطننا وفي إقليمنا الواسع مع اختلافات نسبية تعكس الخصوصية الثقافية لكل منطقة.

ويجمع الكثير أن رأس السنة الأمازيغية عند القدامى يعد مناسبة لتجديد القوى الروحية، من خلال ممارسة بعض الطقوس، والقيام بتضحيات لإبعاد شبح الجوع والنحس وجلب الخيرات ووفرة المحاصيل، علما أن إحياء هذه الطقوس يأخذ أشكالا مختلفة من منطقة لأخرى، ويبقى الاعتقاد الراسخ في هذا الشأن حسب الكاتب سليم سوهالي هو أنه من يحتفل بيناير يبعد عن نفسه الحسد و”أذى الدهر” وفق معتقد شعبي، ما يعني أن جلب السلم والسعادة يتطلبان تقديم تضحيات يطلق عليها تسمية “أسفال”، والمتمثلة في ذبح ديك على عتبة البيت لإبعاد الشر وجلب الخير، يتم عشية حلول السنة الأمازيغية الجديدة إعداد الطبق التقليدي ليناير “أمنسي نيناير” (عشاء يناير)، والمتمثل في طبق من الكسكسي المرفق بالدجاج أو اللحم والخضر يستهلك جماعيا في صحن واحد، اعتقادا من الجميع أن هذه الفرصة سانحة للتصالح بين الأشخاص وترك النزاعات جانبا، ويرى محدثنا أن الحضارة الأمازيغية وموروثها التاريخي رافد من روافد الثقافة الإنسانية، لا يجوز حصره في بعض المناطق والاكتفاء بالغوص في عالم الأساطير أو إبعاده عن الحياة اليومية، فالأمازيغية في نظر سليم سوهالي مشروع لمجتمع متطور يواكب تطورات العصر، وليس مجرد إحياء مناسبات وأساطير.

القراءة من الشروق

شاركنا رأيك

Click me to scroll